كريم نجيب الأغر
97
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
والرجل ، لأن لفظ « ماء » يخص كليهما ، وهو لفظ عام غير مقيّد بأحد الجنسين ، وليس كما أشار إليه بعض المفسّرين أنه من صلب الرجل ومن ترائب المرأة . قال الألوسي : « وظاهر الآية أن أحد طرفي البينية ( التوسط ) : الصلب ، والآخر الترائب . . . فكان الصلب والترائب لشخص واحد فلا تغفل . . . قال الحسن ، وروي عن قتادة أيضا : أن المعنى يخرج من بين صلب كل واحد من الرجل والمرأة ، وترائب كل منهما . . . » « 1 » .
--> - ولقد أعاد باحثون آخرون الخروج المذكور إلى الإنسان مرّة أخرى ، ولكن في إشارة إلى اجتماع الأصول الخلوية في الظهر في الحدبة التناسلية لدى الإنسان ، مثل ما جاء في البحث الذي قدّمه د . محمد إبراهيم دودح في المؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، 22 - 24 مارس 2004 ، دبى الإمارات العربية المتحدة ، وهذا وجه مقبول ويتفق مع دلالة الآية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الأعراف : 172 ] التي تشير إلى أن الإنسان انحدر من الظهر في عالم الذر ، ويكون تفسير الآية عندئذ : يخرج [ أصل الإنسان ] ( مقدّر محذوف ) من مكان يقع بين الصلب والترائب ، من خلال ماء يدفق فيما بعد من الخصية ( أو المبيض ) . وفي ذلك التفسير إشارة إلى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة الموجود بقوّة في عدّة آيات من سورة الطارق . ومفهوم هذا التفسير يتّفق مع المفهوم الذي اعتمدناه ، وذلك أن الأصول الخلوية التي أشار إليها الباحثون الكرام في هذه المرحلة ( أي عند الخروج من مكان يقع بين الصلب والترائب ) هي مكوّنات أصل الماء الذي أشرنا إليه في تفسيرنا السالف الذكر ومفاده : يخرج أصل الماء ( مقدّر محذوف ) من مكان يقع بين الصلب والترائب . واللفظ البياني - كما ترى أيها القارئ الكريم - معجز من حيث يمكنه أن يتّسع لجميع الدلالات المقبولة التي نستخرجها من النص القرآني ، فسبحان من علّم الإنسان البيان كما جاء في النص القرآني : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) [ الرحمن : 1 - 4 ] . ومن الجدير بالذكر أن النصوص القرآنية بلغت في التعبير أقصى درجات البلاغة ، حيث إنها لم تشر إلى أن الأصول الخلوية تتخلّق في الظهر ، أو بين الصلب والترائب ، بل تخرج وتؤخذ منهما ، والخروج غير التخلق كما لا يخفى عند الجميع ، والأخذ كذلك ، فكلا الفعلين السالفي الذكر يشيران إلى أن الأصول الخلوية تؤخذ من مكان ما في الظهر ، يقع بين الصلب والترائب ، فتخرج منه وتنتقل إلى مكان آخر ، وهي الخصية ( أو المبيض ) . وهذا ما يشير إليه العلم الكوني بالفعل ، ( فالأصول الخلوية PRIMARY GERM CELLS ) تتخلّق في جدار ( كيس المح YOLK SAC ) بداية من الأسبوع الرابع من عمر الجنين ، وتنتقل عبر الأمعاء إلى الحدبتين التناسليتين ، حيث تندمج ( بالخيوط الجنسية الأولى PRYMARY SEX CORDS ) في الأسبوع السادس للحدبتين التناسليتين الواقعتين بين الصلب والترائب ، واللتين بدورهما تنتقلان إلى الجزء السفلي للجنين لتصلا إلى حيث يقع المبيض أو الخصية في حوالي الأسبوع الثامن والعشرين ( كتاب الإنسان النامي ، د . مور وبارسو ، ص 323 ، 324 ، 342 ) . ( 1 ) روح المعاني ، ج 30 / ص 99 .